محمد جواد مغنية

6

التفسير الكاشف

المعنى : ( طس ) تقدم الكلام عن مثله في أول سورة البقرة ( تِلْكَ آياتُ الْقُرْآنِ وكِتابٍ مُبِينٍ ) . تلك إشارة إلى هذه السورة ، والقرآن والكتاب بمعنى واحد ، والاختلاف بينهما بالوصف لا بالذات ، وبالعرض لا بالجوهر ، فهو قرآن لأنه مقروء ، وهو كتاب لأنه مكتوب ، وهو مبين لأنه واضح ، وهو أيضا ( هُدىً وبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ ) يرشد من طلب الهداية إلى الحق ، ويبشره بالجنة ان آمن به وعمل ( الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ وهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ) . ليس الإيمان بشيء عند اللَّه إلا إذا ظهرت آثاره ومقتضياته للعيان ، ومن أهمها الصلاة والزكاة . وبالاختصار ليس الإيمان الحق فكرة في الرأس ، ولا كلاما يدور على اللسان ، وإنما هو سلوك وعمل . وتسأل : ان مقيمي الصلاة ومؤدي الزكاة هم الموقنون بالآخرة ، فما هو الوجه لقوله تعالى : « وهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ » ؟ . الجواب : المراد أنهم يؤمنون بالآخرة إيمانا لا ريب فيه ، تماما كمن قد رآها . ( إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ ) . عميت قلوبهم عن أعمالهم وما فيها من فساد وضلال ، . دون خوف من حساب وعقاب . وتسأل : أسند سبحانه هنا التزيين إلى نفسه حيث قال : ( زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ ) وفي الآية 63 من سورة النحل أسند التزيين إلى الشيطان حيث قال : ( فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ ) . فما هو وجه الجمع بين الآيتين ؟ . الجواب : أسند التزيين في آية سورة النحل إلى الشيطان بالنظر إلى أنه هو الذي يغري ويوسوس ، وأسنده إليه تعالى هنا بالنظر إلى أن سنّة اللَّه ومشيئته قضت بأن يعمى عن سوء أعماله من لا يؤمن باليوم الآخر ، تماما كما قضت مشيئته تعالى بالموت والهلاك على من يسلك الطريق المؤدية إليه ، وبتعبير ثان ان من لا يؤمن بالآخرة يفعل الحرام ، وهو يرى أنه حلال ، لأن اللَّه جعل عدم الايمان سببا للجهل بالحرام . . وإذا قال قائل : إن هذا شيء طبيعي قلنا في جوابه :